الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
515
مختصر الامثل
تربوية مهمّة ، وهي أنّ قتل أيّ إنسان ، إن لم يكن قصاصاً لقتل إنسان آخر ، أو لم يكن بسبب جريمة الإفساد في الأرض ، فهو بمثابة قتل الجنس البشري بأجمعه ، كما أنّ إنقاذ أيّ إنسان من الموت ، يعد بمثابة إنقاذ الإنسانية كلّها من الفناء ، حيث تقول الآية الكريمة : « مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا » « 1 » . ويرد هنا سؤال وهو : كيف يكون قتل إنسان واحد مساوياً لقتل الناس جميعاً ، وكيف يكون إنقاذ إنسان من الموت بمثابة إنقاذ الإنسانية جمعاء من الفناء ؟ ولقد وردت أجوبة عديدة من قبل المفسّرين على هذا السّؤال . . . . وكما قلنا في بداية تفسير هذه الآية ، فإنّها تتحدث عن حقيقة اجتماعية تربوية ، لانّه : أوّلًا : إنّ من يقتل إنساناً بريئاً ويلطخ يده بدم بريء يكون مستعداً لقتل أناس آخرين يساوونه في الإنسانيه والبراءة ، فهو إنسان قاتل ، وضحيته إنسان آخر بريء ، ومعلوم أنّه لا فرق بين الأبرياء من الناس من هذه الزاوية . كما أنّ أي إنسان يقوم - بدافع حب النوع الإنساني - بإنقاذ إنسان آخر من الموت ، يكون مستعداً للقيام بعملية الإنقاذ الإنسانية هذه بشأن أيّ إنسان آخر . ونظراً لكلمة « فكأنّما » التي يستخدمها القرآن في هذا المجال ، فإنّنا نستدل بأنّ موت وحياة إنسان واحد مع أنّه لا يساوي موت وحياة المجتمع إلّاأنّه يكون شبيهاً بذلك . وثانياً : إنّ المجتمع يشكل كياناً واحداً ، واعضاؤه أشبه بأعضاء الجسد الواحد وأنّ أي ضرر يصيب أحد أعضائه يكون أثره واضحاً - بصورة أو بأُخرى - في سائر الأعضاء . ومن جانب آخر فإنّ إحياء فرد من أفراد المجتمع يكون - لنفس السبب الذي ذكرناه - بمثابة إحياء وإنقاذ جميع أفراد المجتمع . وتبيّن هذه الآية بجلاء أهمّية حياة وموت الإنسان في نظر القرآن الكريم ، وتتجلى عظمة هذه الآية أكثر حين نعلم أنّها نزلت في محيط لم يكن يعير أي أهمية لدماء أفراد الإنسانية . جاء في تفسير نور الثقلين : سأل شخص الإمام الصادق عليه السلام عن هذه الآية فأجابه قائلًا :
--> ( 1 ) « أجل » : على وزن « نخل » تعني في الأصل الجريمة ، وقد شاع استعمالها فيما بعد في كل عمل له عاقبة سيئة ، ثم استعملت لكل عمل ذي عاقبة ، وهي الآية تستخدم للتعليل أو بيان علّة الشيء .